نورالدين علي بن أحمد السمهودي
41
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )
الذين تخلفوا عن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم في غزوة تبوك ، وقال ابن هشام تبعا لابن إسحاق : سببه قضية بني قريظة واستشارتهم إياه ، وأسند يحيى عن عبد الرحمن بن يزيد قصته معهم ، وأنهم قالوا له : أننزل على حكم محمد ؟ قال : نعم ، وأشار بيده إلى حلقه ، وهو الذبح . وفي رواية أخرى أنه لما جاءهم قام إليه الرجال ، وأجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه ، فرق لهم ، فكان منه ما تقدم ، قال أبو لبابة : فوالله ما زالت قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسوله . قال يحيى في الرواية المتقدمة : فلم يرجع إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ومضى إلى المسجد ، وارتبط إلى جذع في موضع أسطوانة التوبة ، وأنزل الله عز وجل فيه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ الأنفال : 27 ] وفي رواية : فربط نفسه في السارية ، وحلف لا يحل نفسه حتى يحله رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم أو تنزل توبته ، قال : فجاءت فاطمة رضي الله عنها تحله ، فقال : لا ، حتى يحلني رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : إنما فاطمة بضعة مني ، وفي رواية لابن النجار أن أبا لبابة عاهد الله تعالى أن لا يطأ بني قريظة أبدا ، وقال : لا يراني الله في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا ، وأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال لما بلغه خبره - وكان قد استبطأه - « أما لو جاءني لاستغفرت الله له ، فاما إذ فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه » فأنزلت توبته ورسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم في بيت أم سلمة ، قالت : فسمعت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم من السحر يضحك ، فقلت : مم تضحك أضحك الله سنك ؟ قال : تيب على أبي لبابة ، قلت : ألا أبشره بذلك يا رسول الله ؟ قال : بلى إن شئت ، فقامت على باب حجرتها قبل أن يضرب عليهن الحجاب فقالت : يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك ، قال : فثار الناس إليه ليطلقوه ، قال : لا والله حتى يكون رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم هو الذي يطلقني بيده ، فلما مر عليه خارجا إلى صلاة الصبح أطلقه . وروى البيهقي في الدلائل عن سعيد بن المسيب قصة أبي لبابة في بني قريظة ، وأنه تخلف في غزوة تبوك ، فلما قفل رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم جاءه يسلم عليه ، فأعرض عنه ، ففزع أبو لبابة ، فارتبط بسارية التوبة التي عند باب أم سلمة زوج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سبعا بين يوم وليلة في حر شديد لا يأكل فيهن ولا يشرب قطرة . وروى مالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم أن أبا لبابة ارتبط إليها بسلسلة ربوض ، والربوض : الثقيلة « 1 » ، بضع عشرة ليلة ، حتى ذهب سمعه فما يكاد يسمع ، وكاد بصره يذهب ، وكانت ابنته تحله إذا حضرت الصلاة وإذا أراد أن يذهب لحاجته حتى يفرغ ثم تأتي به فيرده في الرباط كما كان .
--> ( 1 ) سلسلة ربوض : سلسلة ضخمة ثقيلة ، وفي الحديث : « أنه ارتبط بسلسلة ربوض إلى أن تاب الله عليه » .